جمعية الأدب اليقظ وعموده اليقظ ضياء الدين الخاقاني

كتبهامزعل الأهوازي ، في 27 فبراير 2009 الساعة: 22:57 م

محمد علي الهجري- باحث واديب سعودي-

محمد علي الهجري

 

 

 

عليّ ان اطل على الذكريات والتاريخ والنجف والعراق عموما , فالعراق يذكر رائدا للشعر الحديث في البلاد العربية  وبرغم كل هذا وبرغم كل ما كتب وسيكتب عنه إلا ان سيرة العراق ورجاله تظل محفوفة بالالتباسات، خاصة أن امثال ضياء الدين الخاقاني ومصطفى جمال الدين وصالح الظالمي وجميل حيدر ميالون للعزلة البيضاء، العزلة التي تفتح نوافذها على الجميع مشهدا، ووجوها، وكتابات، ولكنها في الآن نفسه تختفي بسياج من الورد من اختراقات الاخرين, ماعدا مصطفى جمال الدين والذي خرج من هذه العزلة نحو الشهرة البيضاء , وضياء الدين الخاقاني ايضا , ولكن سرقتهما السياسة نوع ما  . كل منهما في بلد مناقض للاخر في نهايات عمرهما ,الاول رحل الى سوريا والثاني مكث في العراق , اما الاخران ففضلا الادامة في هذه العزلة حتى رحل الجميع ,ولكن استمروا جميعا في تغذية بعضهم البعض وان شاركهم شخصيات وادباء اخرين فضلا عن رجالات السياسة ومراجع الدين كالشيخ سلمان الخاقاني والاستاذ الكبير المرجع الشيخ محمد امين زين الدين . وزاد من كثافة هذا السياج منعة، زهد كل منهم في الأضواء وعدم رغبته في البوح وعدم اتاحة الفرصة لقلمه كي يغوص عميقا في سيرته ويعيد صياغتها على الورق. من هنا نفتح بوابة البوح على آخر مدى متاح لها.. وننصت لضياء الدين الخاقاني مثلا  وهو يتدفق ابداعا كأنه الانسان وهو يسرد بحرقة تبدو واضحة للعيان على ملامحه وبعمق مفرداته سيرة ومسيرة الحياة من الطفولة حتى الآن,ونبدأ من النجف وتحديدا الجدَيْدة , حيث ولد ضياء الدين الخاقاني  ,ليمتد الى المحمرة عمارة ابائه للتثقيف والتبيليغ لاربعمئة سنة خلت ليتسيد هذه القمة عمه الامام المظلوم الشخصية العربية الاسلامية  الكبيرة الشيخ محمد طاهر الخاقاني . ضياء الدين الخاقاني يحمل ذكراه في اعماق ذكرى مدينة مثل النجف او اخرى مثل المحمرة  , وحنين الى الاصل وهي شوق الشيخ في الناصرية بامتداداتها الحمْيّرية من اليمن ,مثل بعض شعرائنا, حيث يماهي بين الأم والقرية ويحن الى القرية ويتذكر أفراحا وأعياد ومعينة مرت به بتلك البوادي.فلابد ان نتصور  هذا النوع من الطرح أو الحنين الى الطفولة أو دهشة الطفولة نحو العمران،ان الحياة لهؤلاء العباقرة والذي عشت معهم ايام النجف قبل العودة الى السعودية  كأنها تشبه قرية تحيط بها مياه المستنقعات.. وكانت بلا ماء ولا كهرباء وبلا مدارس وحتى بلا مذياع يصلك وهما بالعالم.. وكأنها في غابة منعزلة.. هذه الحياة تخلف ذكرى لأن الطفولة منفعلة فيها.في هذه الأجواء تقريبا كانت ولادة الاديب ضياء الدين الخاقاني عام 1932م ابنا اصغر لوالده المجاهد الامام الشيخ عبد المحسن الخاقاني ,الذي كان له دور في دعم اصالة الاهواز ضد طغيان رضا شاه , وتحفيز المراجع بدعم ثورة عمر المختار في ليبيا فضلا عن دعم ثورة العشرين الى جانب اولاد عمومته واقناع شيخ خزعل بدعم الثورة بالاسلحة , بتوجيه استاذه وعمه ومفتي الاهواز انذاك الشيخ عيسى الخاقاني الكبير . فهو من عائلة ينحدر أصلها كما يروي ,من قبيلة آل خاقان الشهيرة والتى تعود اليها عشائر ال جويبر وعوائل الشرقي والصحاف وال شمسة وال الصغير , ولكن جميعا ضمن ابوة ال خاقان , قيادة دينية واجتماعية وادبية, وغيرهم وكانوا في التاريخ ملقبين ببني نهد وتسيدو مواقع اسلامية وعربية لرفعة اصلهم العائلي واهتمامهم بالفروسية والعلم والادب وهناك جناح منهم اهتم بالقضاء من ال شيخ محمد طاهر ذورياستين الخاقاني الاول الذي جمع بين رئاسة الدولة ورئاسة المرجعية,والذي هاجر من الناصرية والنجف الى شيراز بدعوة رئيس الوزراء الايراني انذام قوام الملك من اجل التبيليغ الاسلامي وتدريس اللغة العربية, لوحود اشكالات لغوية وفكرية انذاك لدى الايرانيين, وتسيد الفقه والاستاذية هناك وله مزار كبير في شيراز داخل المسجد الكبير , ليرجع اصل العائلة الى خاقان ولي عهد حمير والذي هاجر من اليمن بعد احداثها , وكانوا مناصرين للاسلام رغم يهودية بعض العشائر في الحجاز في زمن الرسول (ص) حسب ما تؤكده الوثائق السعودية ومراكز البحث اليمنية وبعد ذلك كانوا مناصرين للاسلام في فتوحاته وبالاخص في العراق على رغم مسيحيتهم , وقبل ذلك اشتركوا في معركة ذي قار حيث كانوا مسيحا ضد قوى المجوسية لكسرى والتى قال عنها الرسول(ص): اليوم انتصف العرب من العجم وبي نصفوا.ولفرسانهم وعلمائهم صولات وجولات ومواقف يحاول العذال التعتيم عليها لاهميتها في تغيير الكثير من مسارات التاريخ , وان مشكلة هذه العائلة التضحية والايثار وعدم الاهتمام بالمناصب والتسيد, وقصص رجالاتها معروفة انتهاء باستاذنا وصديقنا واخينا ضياء الدين الخاقاني والذ ي شهدت مواقف له بخصوص مناصب معينة يرفضها ومنها السفارة في السعودية ولكنه وافق بالاشراف على مشاريع تنموية اقتصادية بما تخص النفط والموانيء في كل من السعودية واليمن,ولجان التنسيق المشتركة بين العراق وايران بعد معاهدة 1975, والذي كان طرفا مهما فيها, وكان تواجده سببا في امتداد علاقاته الادبية والسياسية مع رجالات معروفين في هذه البلدان , ومنها العربية .فضلا عن النجف فهناك المحمرة بنهرها العظيم كارون , والمعنون حاليا بالنهر الشهيد , لانه قتل مجراه وحرفته مخططات السياسة , من اجل ان لايصب في شط العرب , وبثرواتها الكبيرة وطبيعتها الخلابة الزراعية ونخلها المطل على الافق بجماله ورجولته , والتى اعطاها من جهده وثقافته الى جانب عائلته من الادب والثقافة والعلوم لقرون واشراف على مواكبها, ومنها موكب ربيعة الشهير , واعيادها في دواوينهم العامرة ما بين العراق والمحمرة والخليج وما سمي بمجلس الخاقاني وتفرعاته فضلا عن نادي الخاقاني كمؤسسة احتفالية بالادباء والمؤلفات الادبية والتاريخية, فضلا عن كونها دار نشر خدمة مطبوعات فكرية معروفة . انتهاء بما قضاه من حياته في البصرة وخدمتها , ما بين مؤسسة الدفاع عن عروبة الخليج , وسكرتير مركز دراسات الخليج العربي التابع لجامعة البصرة , فضلا عن مركزه الاستشاري لمنظمات الثقافة والاعلام لدول الخليج العربي , او التنسيق المشترك للجامعة العربية عند تواجده لاكمال دراساته في مصر , دون ان يلبي دعوات صديقه السيد مصطفى جمال الدين ودعوة الحكومة السورية له والتى كانت ستسبب له مشاكل جمة , ودعوات اخرى في الخليج ودعوتي الشخصية كمستشار في السعودية .فما بين شموخ النخيل والقباب الذهبية كان هناك مولد لجيل افتخر انا صالح العلي  بمصاحبته , وافتخر لمؤثراته التى انعكست علي وانطبعت في نتاجاتي الحداثية في السعودية , وهكذا كانت الصولات والجولات ما بين نادي الخاقاني ومجالس هذه العائلة وما بين منتدى النشر الذي اسسه المصلح الكبير محمد رضا المظفر وما بين كلية الفقه وما ادراك ماكلية الفقه مصنع العباقرة انذاك , وما بين جد وجهد ومباحثة ومطاردة ادبية وتحدي فضلا عن الحوادث السياسية الغنية في العراق والتى لانجعلها تعبر سدى دون رؤية منا او قصيدة , حيث تستكمل العلوم بالدراسة الليلية والعمل ,كانت الاجواء برغم كل التقدم التقني بالنجف حيث الكهرباء, والماء والمباني الفارهة, إلا ان روحنا كانت تتوق الى حرية اكبر مما هو متاح فكل ما كان حولنا كان يشدنا للماضي بشكل تام لذلك كانت مجموعة (الأدب اليقظ ) منفذا لنا للخروج من هذا الطوق ويصف الصديق والاخ الشاعر مصطفى جمال الدين احد اعضاء هذه المجموعة, ذلك بقوله:

 

(وكنت قد التقيت فيها -يعني حلقة الشيخ محمد زين الدين والشيخ سلمان الخاقاني-، بشباب كانت لهم نفس الاهتمامات والتطلع الادبي اذكر منهم السيد محمد بحر العلوم، والشيخ صالح الظالمي والشيخ ضياء الدين الخاقاني وتمكنت الصلة بيننا الى حد بعيد فهم يقرب من التوحد وصداقة أقوى من الاخوة وحب لا يزال في جدته حتى اليوم.وكان لابد لنا ,وقد توسعت الحلقة, ان نميز انفسنا عنها، وانظم الينا من خارجها السيد حسين بحر العلوم(المرجع) من النجف والسيد محمد حسين فضل الله(المرجع) من لبنان والشيخ محمد الهجري العلي (انا) من الاحساء والشيخ جميل حيدر من سوق الشيوخ. وما أدري اذا كان غرور الشباب أم الاعتداد بثقافتنا التي اخذت تتسع في جدتها هو الذي دفع جميل حيدر ان يطلق على هذه الشلة الجديدة اسم (أسرة الأدب اليقظ). على أي حال كنا نمتاز عن الأجيال الأدبية التي عاصرناها في النجف، اننا كنا كثيري القراءة والمتابعة لكل ما هو جديد فإذا كان زاد الناشئة التي نتعايش معها دواوين السيد محمد سعيد الحبوني والسيد حيدر الحلي والشبيبي واليعقوبي من الجديد، ودواوين المتنبي والبحتري والشريف الرضي ومهيار الديلمي من القديم فقد اضفنا الى ذلك كل ما تيسر لنا من دواوين الشعراء العرب المحدثين بما فيها موجة الشعر الحديث بل ان بعضنا اخذ يكتب تجاربه بطريقة (التفعيلة) التي لا يعدها اكثر نقاد النجف شعرا واذا كان النقد المسيطر على هذه الأجيال التي عايشناها هو نقد الجاحظ وقدامه بن جعفر وضياء الدين بن الأثير فقد اضفنا الى ذلك نقد احمد الشايب وسيد قطب ومارون عبود وميخائيل نعيمة ورئيف وكثيرا من الدراسات المترجمة في موسيقى الشعر واصواب اللغة عن الفرنسي (جويار) والامريكي (سابير) والروسي (كوندارتوف) والانجليزي (اليوت).ويضيف الصديق السيد مصطفى جمال الدين, متذكرا أيام الأدب اليقظ قائلا:

 

(كانت أعمارنا متقاربة وان كنت اعتقد اني اكبرهم سنا، ولكننا كنا نتقارب في شيء آخر لعله الأهم هو ,ضيق ما في اليد, فقد كان مرتبي الذي يصلني من أهلي في قرية المؤمنين في سوق الشيوخ الناصرية ذي قار العراق لا يتجاوز ,الدينارين, هو للطعام وهو للكسوة وهو للكتاب ولم يكن الاخرون اسعد حالا مني).

 

 هكذا كانت الحياة ببراءتها لتنتج هؤلاء العباقرة المهمولين وضياء الدين الخاقاني واحد منهم .

 

وهكذا الملم شتات ماتبقى من طفولتي في السعودية واتجه صوب النجف , حاضرة العلم والادب كما كانت دوما وما زالت وهكذا انطبع في معتقدات اهلنا وعقولهم، حيث أمعن في التعلم حسب الشرط العائلي والتوجه العام، ثم أتجه بعد ذلك في لحظة انفصال إلى التعلم حسب ماأريد، وانا في كل ذلك كنت محاصراً بالشعر، وإن كانت البداية محفوفة بالأصدقاء ورفاق أسرة (الأدب اليقظ،) إلا أنها بعد ذلك اختطت مساراً خاصاً بها واختارت أفقاً تتجه صوبه دائماً, ممعنة في الزرقة والبحر, ونخيل الجزيرة, ولأنه اشتبكت في كل هذا وأنا في قلعة الشعر الحديث، أو حاضنته العراق فلا بد أن أصطدم بأصوات السياب ونازك الملائكة, اللذين أسسا لما يعرف بعد ذلك بالشعر الحديث. وقد فتحت اسرة(الادب اليقظ) مساحة أكثر للضوء كي يشع في الساحة العراقية ومن ثم الساحة العربية, وللظروف المعروفة التي كانت لهؤلاء العباقرة, اثرهم العالمي ومازال رغم رحيلهم رحمهم الله. وفترة السياب ونازك الملائكة وهي بلا شك الفترة الفاصلة في تاريخنا الشعري الذي عشناه. ودعوني أعود بالذاكرة الى تلك الفترة واتذكر مجلة (الكتاب) العراقيين وهي مجلة لم تستمر أكثر من ثلاثة أو أربعة اعداد، لان الجانب السياسي في العراق كان سريع الجريان وكان الصراع بين اليساريين وبين الفكر القومي أو بين اليساريين والفكر الليبرالي كان سريعا وحادا مما أدى الى عدم استمرارية المجلة.وفي العدد الأول من المجلة نشرت قصيدة للسياب وقصيدة لي ويا للمفارقة.قصيدتي كانت في رثاء شخص, القصيدة هي (فرح الموت) كتبتها في رثاء العم العلامة السيد محمد باقر الشخص (1315 / 1381هـ) وهي من المراثي العمودية الفاقعة اللون وكان مطلعها:

 

(أكذا يقذف البراكين نبع /أكذا جهث القاع بعيني/ أكذا يرهف الصوارم درع؟

 

أكذا تجبن الحياة وللموت/ ويكبو الفجر الندي المشع؟/على ساعدي ينهال وقع؟

 

كل نت ايماءة الربيع بابعادي /انى نظرت ينداح فرع /فلماذا اصبحت نبع سهام

 

لفؤادي وكان لي منك ضلع؟)

 

صحيح ان قصيدتي تعبر بلغة حديثة، ولكن جوها العام تراثي صرف وفاقع، أما قصيدة السياب فكانت (رؤيا فوكاي) وحينما قرأت قصيدة السياب وفيها يقول:

 

(ما زال ناقوس أبيك يقلق المساء /بأفجع الرثاء:(هياي.. كونغاي.. كونغاي)

 

فيفزع الصغار في الدروب / وتخفق القلوب / وتغلق الدور ببكين وشنغهاي

 

من رجع: كونغاي، كونغاي!)

 

قمت أضحك وأتساءل: (ويش جاي يقول.. ويش جاي يلخبط السياب.. )

 

كنت اعتبر أن قصيدتي هي المجلة كلها، لم يقل لي أحد ان هذا شعر حديث، وأن مرحلة جديدة قد بدأت حيث لم يكن هناك جدل في المنتديات الأدبية حول هذا الشعر.. أنا الذي اكتشفت السياب لوحدي، واكتشفت المرحلة لوحدي بعد ان عدت إلى المملكة العربية السعودية.لابد من الكشف ان العراق يعتبر لنا ولغيرنا من العرب المقيمين فيه, دهشة الاكتشاف الأولى وبالاخص الشعر الحر, الشيء الذي شدني الى الشعر الحر الواقع ليس صدفة، وانما كان بائع كتب كان يجلس على الرصيف في شارع الرشيد بغداد وما اجمل بغداد ، ولم يكن بالامكان في ذلك الزمان ان نشتري كتبا، انما نلتقطها من على الأرصفة، كانت قيمة الكتاب 20 فلسا، اشتريت ديوانا لشاعر سوداني اسمه صلاح ابراهيم، كان الديوان يضم شعرا حرا، منه هذه القصيدة التي اقرأ لكم بعضها، هذا الشاعر ذهب الى لندن، ويبدو أن عمره كان عشرين عاما وهناك تعرف على شعراء ومنها انبثقت قصيدته هذه، ماريا،:

 

(يا ماريا /ليت لي ازميل فدياس /وروحا عبقريا /وامامي تل مرمر

 

لنحتت الفتنة الهوجاء في نفس مقاييسك / تمثالا مكبر /وجعلت الشعر كالشلال

 

بعضنا يلزم الكف /وبعضنا يتبعثر /وعلى الأجفان ليل يتعثر /وعلى الأهداب لغز لا يفسر

 

وعلى الخدين نور يتكسر / وعلى الأسنان سكر).

 

وهنا وباكتشافي لجماليات الشعر الحديث من شاعرنا الخاقاني بعيد عن معترك الثورة الشعرية التي يقودها السياب والملائكة وحلقة الادب اليقظ في العراق, حيث وصل صداها الى كل الوطن العربي نتوقف.. لنبدأ مرحلة جديدة.وتستمر الرفقة والحوار,او التداعي مع هؤلاء الرواد, فإننا نرسم صورة لهؤلاء وهم يدلفوا إلى العراق من بوابة النجف, كما دلفت اليها عام 1946م واستمر بها حتى 1964م, مرحلة من العمر تقترب من العشرين عاماً درست ودرّست بها وكتبت الشعر وتزوجت وتعلقت بامرأة صورتها لازالت في ذاكرتي..لم أزر الاحساء خلالها الا مرة واحدة, ذهبت فيها الى زيارة المشاعر المقدسة واداء فريضة الحج, وفي طريق العودة الى النجف مررت بأهلي في العمران السعودية. لان العراق واصحابي والنجف كان للجميع سحره الخاص, وكنا في السعودية نردد , اذا ما قال لنا شخص اني تفقهت ودرست العلوم الدينية او قال اني اديب كاتب او شاعر, فنرد عليه , هل مررت بالنجف او على الاقل هل شربت ماء الرافدين, كان هذا الامر بديهي عندنا بخصوص عبقرية المرء في اختصاصاته العلمية والثقافية والدينية مهما كانت جنسيته, ولهذا جميع من يسكنه يتمنى ان يكون عراقيا ولا يعود الى بلده , وهذه ليست مبالغة , والتجربة والمتابعة تدلكم على هذا الحقيقة. تجربة ضياء الدين الخاقاني في العراق  عميقة ومفصلية في حياته، ألقت بظلالها على شعره وباقي تجاربه الادبية والفكرية وحتى السياسية , فحزنه عراقي ووقع مسيرته لها طعم الوجع في الفؤاد, وحصاد حياته الاولى مكتظ بالاحداث والحراك والتحولات لمأسي العرب, وبالاخص فلسطين وتلتحق بها الاهواز , وان كان لنا راي بالموضوع ليس تجاه القضية بل الاسلوب ,المستخدم للنهوض بها , كان وما زال فاشلا, وفي اعماق روحه حب صادق للعدالة والوحدة والعروبة والاسلام والحق. واستكمالاً لوصف ملامحه, اقتطع انا من هذه المرحلة ما كتبه علي الخاقاني في كتابه (شعراء الغري) عني لكي اؤكد فضل حلقة الادب اليقظ لمثل هذا الوصف بخصوصي, واثر ضياء الدين الخاقاني عليّ, حيث كتب في سياق تعريفه ,بي:

 

( وبعد اخذه بعض المقدمات اندرج في سلك طلاب الدين الذين يأخذون من منهل النجف مختلف العلوم, واستمر يتعثر في تلك الاشواك التي خلفتها الدراسة المضطربة حتى استطاع ان يقطع اكثر الشوط، وهو اليوم في الطليعة من الشباب الذين يوازونه في السن، عكف على قراءة النتاج الجديد فتأثر بكثير من الآراء والصور الحديثة، وتطلع الى معرفة الحياة ولكن وضعت على رأسه العمة البيضاء عن طريق التقاليد الهجرية والنجفية، راح يتأفف مما هو فيه من اضطراب في سير الدراسة والفوضوية وارتباك النظم التي لا تميز بين العالم والجاهل. لمست في قلبه وعياً ويقظة، واختبرت في ذهنه ارهافاً يتحسس الحالة الراهنة التي تقيد بها امثاله دون جدوى او فائدة مرجوة).

 

هنا ينتهي كلام الباحث علي الخاقاني , عني في موسوعته , وهذا الرجل الباحث من العشيرة وليس من اقارب استاذنا مورد البخث كما هو معروف. لاستكمل باقي التفاصيل , حيث بعد ان انشأنا اسرة الادب اليقظ , وبعد ان وصلنا الى مرحلة مع الجو المحيط , فكأنها إشعار بالتمرد, وبالرغم من ان اطلاعنا الادبي كان اكثره تراثيا لكن كانت تصلنا الصحف والمجلات المصرية واللبنانية في ذلك الوقت , وكان التيار آنذاك ما يسمى بالتيار الرومانسي وكان اكثرنا يميل الى هذا التيار. وبعد قطع مسافة طويلة ادركنا ضيق الطريق الذي نسير فيه. فأخذنا نواصل التعليم العام عن طريق الدراسة الليلية , وبعضنا نهاريا , مثل ضياء الدين الخاقاني نفسه وروحه التواقة للابداع كزملائه وبالاخص مصطفى جمال الدين وصالح الظالمي. وقد اعتبرت الحوزة العلمية هذه الخطوة منا تمردا جاهلياً غير اننا واصلنا بعناد،وبوجود مشجعين ومجددين مثل العلامة المظفر ومحمد تقي الحكيم وغيرهم , وقد عانينا كثيراً من هذا العناد،فمثلا انا والدي قطع عني الامداد المالي، وكذلك الحوزة، فعانيت من ضروب الفقر والحاجة ما عانيت, حتى اني، وانا اواصل دراستي الليلية اضطررت الى التدريس نهاراً في مدرسة ابتدائية اهلية بسبعة دنانير في الشهر, اي سبعين ريالاً في الشهر. اجل وفي هذه الظروف التي نعجز الآن عن استعادة ملامحها كاملة، لأننا لا نستطيع ان نقبض عليها كما نريد، لكننا نتملى ملامحها واضحة للعيان على محيا هؤلاء العباقرة وفي وجدانهم.وقبل الدخول الى مرحلة جديدة ومحطة مختلفة يجب ان نقفل ملف الدراسة قبل الجامعية وهذا لن يتم دون المرور بمرحلة تمحضه في الدراسة الدينية بعد اكمال الدراسة الدينية الاولية تمخضنا للدراسة الدينية العميقة, حتى وصلنا إلى مرحلة السطوح وانقطع بعضنا ومنهم ضياء الدين الخاقاني ,بعد ذلك متفرغا للدراسة الجامعية بجامعة بغداد قسم اللغة العربية فرع النجف. مرحلة السطوح كانت تخولنا لحضور الدروس الحرة, أو المحاضرات الحرة التي لا تستند الى كتاب بل تستند الى فكرة يمكن ارجاعها الى مجموعة كتب اصولية او تقليدية, السطوح بمعنى انك تخلصت من كتاب محدد, واصبح ذهنك اكثر حرية, اكثر انطلاقا. القفص الكتابي, أو المرجع الوحيد,هنا انتهى,وكأنك خرجت من أسر جدران البيت ووقفت على السطوح, لنكتشف الشرارات الاولى للابداع الفكري والادبي ما بين من رايه الثبات على الكلاسيكية مثل جمال الدين او الانطلاق الى الحداثة مثل صالح الظالمي او الذي يحاول الجمع بينهما مثلي ومثل ضياء الدين الخاقاني او من انتهج المرجعية مثل السيد حسين بحر العلوم او السيد حسين فضل الله , وعلى كل حال كان ضياء الدين الخاقاني وابن اخيه الشيخ محمد سلمان الخاقاني اكثر حظا منا لانهما عاشا ضمن تعليم مستمر علمي وثقافي عائلي فكانا اقرب لمرحلة الاسراع للتبلور العبقري والدلال الاسري , ولكن دون مغفرة في التقصير العلمي  .في النجف كان تقاطعنا مع القصيدة تلقيا وكتابة.. وبالطبع كان أكثر الدارسين مهووسين بالشعر حتى الذي ليست لديه قابلية شعرية كان يود ان يكون شاعرا, النجف تسمى بيئة شعرية, ولكنني اعتقد انها ليست بيئة شعرية مطلقة , فهي بيئة شمولية محكمة الصنع الرباني , ولهذا تتمنع من غزو الجهل لها عبر العصور ومنذ ورثة صفات الكوفة ومنزلتها الربانية والحضارية , ولكن بسبب حضور القصيدة بها حفزت الكثيرين الى اقتحام عالم الشعر وقد وصفت هذه الحالة:

 

(صوري لي الندى

 

يزخر بالاسماع سالت بشاعر صياد

 

يتغنى بالشعب حتى ترى ما بين الفاظه قبور الاعادي

 

ويثنى بالدين فالارض لا تلقى بمحرابها سوى السجاد

 

وينادى بكل ما يبعث التصفيق والحب من جموع الجراد

 

ثم ماذا لا شيء قد نسي السامر واستوحش النداء المنادي).

 

مر الشعر الحديث بنا في الاسرة اي الادب اليقظ, ولكن قابلناه أول ما قابلناه بالنفور ماعدا نوعا ما مصطفى جمال الدين وضياء الدين الخاقاني , بسبب عنفوانهما المستمر المحبب لدى الجميع والذي فرض علينا تقليدة ومن ثم اطلعته لانجازاتنا وان اختلفنا عنهم بالنوعية , ولكن بعد ذلك جميعنا ان استطعنا ان نتغلب على أذواقنا وننخرط أو نتذوق في قراءة الشعر الحديث وكان في ذلك الاسمان اللامعان السياب ونازك الملائكة.تمتد مسيرة وسيرة ضياء الدين الخاقاني وهؤلاء العباقرة  طويلاً وعميقاً. ويبدو الوقوف على كل محطاتها انجازاً لا يمكن تحقيقه في كتابة واحدة او مشروع سريع، لذلك سنعبر بالأكثر الحاحاً والأشد وضوحاً، وهنا نبدأ من المرحلة التعليمية تلقيا وممارسة وهذه المرحلة التي ابتدأت من نيلنا لشهادة الثانوية فرادا حسب ضروفنا, وحتى التحاقنا جميعا  بكلية الفقه بالنجف التي أسسها الشيخ محمد رضا المظفر في عام 1958م، حيث قبلت الطلبة في الدورة الأولى وكان عددهم 45 طالباً بعد أن تقدم إليها 200 طالب من طلبة العلوم الاسلامية. تخرجت الدفعة الأولى التي بلغ عددها 35 طالباً بدرجة البكالوريوس في اللغة والعلوم الاسلامية عام 1962م وفي العام ذاته تم الاعتراف بمستوى الكلية ومعادلتها بالكليات الشبيهة بها في جامعة بغداد مثل كلية الشريعة وكلية التربية وكلية الاداب وكان من بين الخريجين كنت انا , اي محمد العلي ,و الشاعر مصطفى جمال الدين وضياء الدين الخاقاني.. وآخرون. تخرجت الدفعة الأولى وتخرجت معهم ، واختلفت السبل بالأصدقاء, فمنهم من أكمل دراسته، ومنهم من عاد إلى دياره وآخرون قرروا الدخول إلى سلك التعليم، ومنهم انا, وبسبب ظروف الحياة وأني رب أسرة وأعيل أبناء وليس لي مصدر للدخل، لذلك عينت مدرساً في ثانوية النجف فور تخرجي رغم سعوديتي , فمن ميزة العراق عبر العصور انه مدرسة للمحبة والاخوة والاخلاق العربية ، واستمريت في هذا العمل لمدة سنتين عمقت خلالها من علاقتي مع المشهد الشعري العراقي وشاركت في الامسيات ونشر في المجلات وزرت بغداد كثيراً  والمحمرة بسبب هذه  العلاقات التي تولدت. ولكنه برغم من كل الأجواء إلا أن الحنين عاودني للعودة إلى الديار وخاصة أن والدي قرر بعد أن اختط طريقاً غير المرسوم لي منع بقية إخوتي من استكمال دراستهم مثلما خطط لي وبالفعل وفي غضون أشهر , وبعد أن تهيأت الظروف عدت إلى المملكة السعودية موطني، شاء لي القدر ان اكون ناقدا , فضلا عن وظائفي الرسمية الاخرى , ولكن شاء رب العالمين لاخينا الاديب ضياء الدين الخاقاني حياة انفعالية اخرى ,فتغيرت وجوه وجدت معالم,وتشكلت ظروف جديدة.بدأ يرسم ملامح خطوته القادمة فالروتين والاكلاسيك عموماً لم تكن برغم كل هذا التغيير النسبي مناسبة له، لذلك توجه إلى رغم مهنة التدريس الى عالم رحب في السياسة الملعونة التى ليست لها مكانا لرجل شريف وطاهر مثله , وهكذا مثله مثل صديقة مصطفى جمال الدين, وسعى الى شهادات عليا , وكان بين القاهرة والنجف والمحمرة , اي ما بين الدراسات العليا  وما بين مدرس للغة العربية في مدرسة الانتفاظة العراقية في ايران , وما بين المستشار العراقي للحكومة العراقية لدى ايران وما بين دواوين اهله في عموم الخليج والمحمرة والنجف وبغداد , وصولا الى مستشارية لجنة التنسيق المشتركة العراقية الايرانية بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 , رغم مواقفه ضد شاه ايران العائلية والشخصية , فضلا عن مركز دراسات الخلج العربي ومركز الدفاع عن عروبة الخليج العربي ومحرر لصحف عربية ومدير تحرير مجلة الموانيء العراقية وسكرتير الموانيء العراقية , وفي خضم ذلك معد موسوعة البلاغة في نهج البلاغة  للامام علي عليه السلام المهمة في السبعينات من القرن اماضي للاعلام العراقي وبثها عبر تلفزيون بغداد والبصرة شخصيا , وغيرها من انجازاته التى اهمها نجاح محاولته باعادة المربد وقيام انشطته في البصرة ,هذه الوظائف وهذا الامكنة والانجازات  والتى سيغير شيئاً كبيراً في مسار حياته في السنوات القادمة.استقر مبدعا يقاوم مغريات الحياة السياسية وطلبات الدول بالاستقرار بها من اجل ماذا, من اجل هذا العراق اذي تملك وجدانه , ومن اجل قضية عربية مسماة الاهواز دفاعا عن مظلومية اهلها , والتى طالما اختلفنا حولها, والخلاف لم يكن على احقية اهلها وحقوقهم فنحن متفقين على ذلك ولكن كان الخلاف على الاسلوب, ولكن بقي مصرا على ان اهلها مظلومين ومحرومين من ابسط امور الحياة , وهذا ما كنا نلمسه حقا , ولكن عاطفتنا الاسلامية والشيعية اعمتنا عن رؤية الحقيقة وما زالت ولكنه كان مبصرا جيدا لها سياسيا وحتى ادبيا وايضا بحثيا من خلال رسالته الماجستير. فالعراق كان بالنسبة له , وبالاخص البصرة اكثر حراكاً فكريا  وحركة ثقافية عملية ، و لم يكن في كل ذلك انسانا عادياً، كالذين تقذف بهم المعاهد آنذاك، كان

ملتزماً بالاحلام والطموح والرغبة في استكناه الاشياء نحو الاجمل، والاكثر بهاءً، لذلك مد جسراً بينه وبين كل من ارتبط به حتى اعدائه واستطاع ان يقترب منهم.ومن المصادفات ان يكون على علاقة معه , وبسبب علاقاته المتينة ودراسته القاهرية  شاب اردني للتو قد تخرج من جامعة عين شمس بالقاهرة وهو حاصل على بكالوريوس اللغة الانجليزية وآدابها هو سالم النحاس والد الفنانة المبدعة «مكادي نحاس» الذي سيغدو وبعد سنوات روائياً شهيراً، الاستاذ نحاس اتفقت رؤاه معي ومع اخينا ضياء الدين الخاقاني  ,منذ اللقاء الاول واستمرت العلاقة بعد ذلك الى الآن، حيث انتقل النحاس, بعد مرور من الزمن في السعودية للرياض للعمل في رعاية الشباب حين كان رئيسها آنذاك الامير خالد الفيصل, إلا ان اسمي واسم ضياء الدين الخاقاني قد ترسخ في ذاكرة النحاس، ولذلك عندما انتقل الى الرياض وشرع في المشاركة في ندوة خالد الفيصل الثقافية كان اول ما خطر على باله للمشاركة في هذا المنتدى من خارج الدائرة المعروفة آنذاك كان اسمي واسم استاذنا الخاقاني ، وكان الامير خالد الفيصل رئيساً لها، ولاهتمامات الامير الثقافية ولوجود عدد من المتنورين في محيط عمله، انشأ منتدى الاربعاء وهو منتدى ثقافي تطرح فيه اوراق العمل ويتم الحوار حولها بعد ذلك، ولوجود الاستاذ النحاس في هذا المحيط اقترح اسمينا للمشاركة مبادرة منه، وكان موضوعها عن الشعر  والشعر السعودي المعاصر وأظن تاريخ هذه المشاركة كان 1969م، ولانني كنت للتو عائداً للمملكة ومعرفتي بالاسماء المبدعة وبحركة الشعر في المملكة لم تكن مكتملة، فقد اجبرني ذلك على الحصول على اكبر قدر من المراجع والمصادر والدواوين واستجلاء الموقف الشعري في بلادنا، وكانت حسنة جميلة لهذه المشاركة ان عرفتني بما يحدث شعرياً عندنا في السعودية , كما انها عرفتني على عدة اسماء معرفة مباشرة اذكر منها عبدالله نور وفواز عبيد اخذتنا محطة سالم نحاس الى مرحلة جديدة في الحياة , ولكن من الملفت  ان ضياء الدين الخاقاني ورغم الرسالة الخاصة للامير خالد الفيصل المغرية المرسلة اليه , فأنه فضل التواصل عبر الرسائل دون الاستقرار في السعودية ، وكانت لرسائله اثرها حيث فتح فيها افقه على مدار الوطن الاوسع حيث كانت المشاركة هي البداية لكثير من المشاركات الفكرية المثيرة .لم يكن هينا ولم يكن التكيف سهلاً، خاصة وان الوجوه التي شاركتني بهجة اكتشاف الحياة وحرقة الوعي بالشعر كانت بعيدة عني، واذكر ان اصدقاء اسرة الادب اليقظ ومنهم ضياء الدين الخاقاني على عادتهم في كتابة الاخوانيات ارسلوا لي قصيدة مشتركة كتب كل واحد منهم بيتا او بيتين فيها يذكرونني بايام الدراسة وذكريات الشعر ويسألون عن حالي وهل حياتي الجديدة انستني حياتي معهم فرددت عليهم بقصيدة لازالت ترن في اسماعي اقول فيها:

 

(أهنا تربتي؟ اهذي التي انسلت رهافاً من غمدها اجدادي

 

أهنا، حيث ادمنت نكبة الانسان من كأس حاضري وتلادي

 

سوف أحيا؟ أعيش؟ دون انتظار لفراق، او شهقة لمعاد؟

 

يا حياة اركضي فقد ذبل النور وشل العناد صوت الحادي)

 

وقد تضمن كتاب لي كامل هذه الذكريات والاخوانيات في كتاب انشاء الله , هكذا كانت مفارقة الواقع الجديد والمستمر ولكن ضياء الدين الخاقاني الذي جرب مكائد الغربة وفتنتها فضلا عن مكائد السياسة , كالصحابي الجليل ابي ذر الغفاري , لم يستكن ووجد في السفر منفذاً للروح والقلب، ولهذا كانت رحلاته وقوداً للروح كي تتجدد , انها كانت له تحولاً جديداً في حياته.

 

 وانا بدوري ,اصف هذا التحول , كما وصفته في امسية  تكريمي:

 

( انه الاخ المطلق للوفاء)

 

سوف اتذكر الآن حيث كنت اقضي اجازة الصيف في سوريا برفقة عائلتي.. ووجدت في احدى المكتبات ديوان السياب “شنانيل ابنة الجلبي” وكنت استأجر بيتا في منطقة الخضراء في منطقة رهيبة وامامنا يجري بردي.. وبدأت اقرأ الديوان فوجدت عالماً آخر “انا وين وهو وين” اكتشفت عندها خطأي الكامل.. واكتشفت ان علي ان اجدد نفسي او اموت.

 

عندما تكتب عن قامة ما فإنك تستدعي من قاموسك المفردات التي تستطيع بها ان تصف القامة التي أنت حيالها، ولكن الكتابة عن قامة شعرية وفكرية لـشاعرنا الكبير , فأنت في حل من هذا، فاللغة تتداعى امامك والصور تتشبث بمدادك كي تسطر كيف يكون الانسان شامخا والشاعر بهيا.

 

ااتذكر الآن تماما لحظة التلقي الاول للنصوص التي استطعت الوصول إليها عند ضياء الدين الخاقاني, كانت لحظة مدهشة وكانت توحي بمستقبل مشرق للقصيدة وللشعر عموما في . فبالرغم من البعد نسبيا عن مراكز النشر ومصادر الثقافة  الا انني تأكدت تماما بأن هناك جيلا يحمل تطلعاته الشعرية متجاوزا كل المعوقات.كما أن هذه التجربة جعلتني اكتشف صوتا شعريا رائدا ، من الرواد الاوائل للحداثة , شعريا وفكريا, فإن شعره ايضا يعتبر شعرا رائدا للحداثة بالرغم من بعض النقاد الذين يخرجونه من هذه الدائرة غير مدركين للظرف الزماني والمكاني لكتابة هذا الشعر.جئت الى السعودية بعد دراسة في النجف  لا أعرف أحداً ولكن لوجودي في الدمام ولوجود جريدة اليوم بها بعثت لها بقصيدة من قصائدي وهي (العيد والخليج) وجهتها الى ادارة التحرير دون ان تكون لي معرفة مباشرة بأي من العاملين بها، وفوجئت بعد ايام بنشرها ولم يكن مصدر المفاجأة النشر ولكن الرسالة التي ارسلت لي من مدير التحرير ماجد ابو شرار والذي يدعو كاتب القصيدة او الشاعر الى الكشف عن نفسه والتعريف بشخصيته للقسم الثقافي بالجريدة مما يتضمن ضمنيا دعوة لزيارة الجريدة. في ذلك الوقت لم أكن اعرف موقعها ولكن بالسؤال عن ذلك تعرفت على الموقع وتوجهت الى القسم الثقافي مباشرة حيث تعرفت هناك على المشرف عليه وكان الشهيد ماجد ابوشرار وهو الذي ارسل لي الدعوة الضمنية لزيارة الجريدة وكان ذلك في حدود العام 1966م..وللعلم فإن ابوشرار الذي اغتيل عام 1983 قد عمل في جريدة اليوم من عام 1959 وحتى 1968 مع مجموعة من المثقفين الفلسطينيين ومنهم محمد القيسي وعبدالكريم السبعاوي وهو من الرعيل الاول للشهداء المثقفين الفلسطينيين , فاستقبلني بعبارته : اهلا بصديق ضياء الدين الخاقاني وصديقنا ,فدهشت في بادىء الامر ولكن بعد ذلك عرفت تفاصيل العلاقة بينهما , لنتحاور عن معرفة تامة بشاعرنا الخاقاني واهتماماته اليعربية من جهة ومن جهة اخرى بما يحمله من معلومات كافية عن مجموعة الادب اليقظ والثقافة في النجف حيث كان يتزود بها عن طريق شاعرنا ضياء الدين الخاقاني , لأجد الحماس اكثر لمعرفة المزيد , وبعد ان ارسلت رسالة شكر الى اخي ابي بهاء فقمت باضافة معلومات عن العراق والنجف بشكل متزايد , حيث كان حب السعوديين والفلسطينين المنقطع النظير للعراق حافزا لهذا التأصل . فاستمريت في الكتابة او النشر الاول محليا في جريدة اليوم ولم أتوقف عند هذا الحد بل امتد من ذلك الى حد رئاسة تحريرها يوما من الايام وكان ذلك بعد ان تعددت زيارتي.. الى الجريدة وتم لقاي بعدد من المسؤولين بها وفي غضون ذلك تعرفت عميقا على الشاعر على الدميني والقاص جبير المليحان وأثمر ذلك عن ملحق المربد , تاثرا بمقترحات صديقنا ضياء الدين الخاقاني وهو يسعى لانجاح مهرجان المربد في بصرة العراق , فاردناها فاعلية اعلامية سعودية اولا في السعودية وهي تحظى باهتمام جماهيري عراقي , فكان ملحق المربد هو حصيلة فكرة استاذنا الخاقاني و جهد الصديق علي الدميني, فهو كان المحرك الاول والمهندس لكل ما ينشر به وكان دوري المساعد لهما في السعودية عمليا وفي العراق نظريا.ولكن علاقتي بأبي بهاء لا تنتهي عند العراق فقط بل تمتد عميقا وتتشابك في كثير من المحطات الحارقة منها بالتحديد، ولأستجلاء ذلك ان لا بد كان أستدعي ذاكرتي كي تصف وتوصف ما تبقى في الروح والقلب والذاكرة من هذه المشاهد والمحطات والمواقف.. فكتبت له قائلا:

 

(قلق يشبه العذاب …قلق يشبه العذاب كان يشاغلني كثيراً، حول تدوين بعض ملامح المشروع الثقافي اليك , الذي لم تجد على ما اظن من يحمل عنك عبء جمع شيء من كنوزه، وإضاءة ما لا يعرفه الآخرون عنه، إلا القريبين مثلي، لكي تتعرف الأجيال المختلفة على إضاءاتك البالغة السطوع والتأثير في حياتنا الثقافية.ولكم أجلت النظر في مشروع كتاب يرتكز على حوار شامل معك، وتضمين ذلك الكتاب بعض محاضراتك وكتاباتك، وقصائدك، ومقالاتك!!

 

“ ومثلما ألهت بني تغلب قصيدة قالها عمرو بن كلثوم” فقد ألهتني عن تلك المهمة العزيزة على نفسي، أمور عديدة حيث لا يقف العمل اليومي في الحياة على واجهتها وحسب، وإنما تتقدم في مشهد الصورة اهتمامات أخرى تختص بصلب الهم الثقافي والاجتماعي والشأن العام،  وترسخ ابتعادي عن تحقيق تلك الفكرة، بانصرافي الى سكينة من الاطمئنان على قلبي، وفرحت بهذا الكنز، متمنيا ان يجد الجمهور، أن يجدوا متناً مكتوباً من فكرك، وظلاً من حقيقة وجودك على الأرض….).

 

يمكن لكل من اقترب من فضاء ضياء الدين الخاقاني أن يلمس باليدين صعوبة التواصل اليومي معه، وأن يقرأ على الباب سيماء أقفال متعددة تحد من بساطة التحاور معه، أو اقتحام معاقله.

 

كثيراً ما ترى الخاقاني وهو يستغرق في الصمت والتأمل والوحدة, في ندوة أو لقاء,في دواوين النجف وسراديبه حيث عشنا معه طويلاً ، أو في السيارة، ونحن نتنقل من مكان قصي إلى آخر,

 

ذلك سرّه الكبير الذي لا يستطيع التعامل معه إلا الراسخون في معرفته الثقافية والإنسانية، والوجدانية. ولكن نفس الشخص سيجد أمامه سلّة مملوءة بمفاتيح التسلل إلى أعماق تلك الروح الخصبة، حين يكون الخاقاني ضيفاً في أمسية أو ندوة، فتعمل مفاتيح الأسئلة على كشف مذخور كنوزه وأسراره وصدقه حتى حواف الجارح والجرئ منها , أما خارج ذلك المناخ الثقافي، فإن أبرز ما يحرضه على فتح أبوابه، يجئ من قدرة الصديق أو الضيف أو أي شخص على إثارة مكامن الدهشة الطفلية والشعرية لديه، من خلال الحديث عن مفارقة باعثة على الدهشة، أو استذكار مقطع من نص شعري مدهش، وحينها ستجده قد انفجر ضاحكاً، كبركان محبوس . كنا نلتقي في مجلس الشيخ محمد امين زين الدين او الشيخ سلمان الخاقاني،ان كان في النجف او المحمرة, وكان صمت ضياء الدين الخاقاني المهيب يجعلنا نلوذ بالصمت حتى لكأن سقف الغرفة سيطبق علينا، ولكن حين يدخل الشعر ,او الحب , او موضوع عن الامام علي عليه السلام او عن العراق او عن الاهواز او عن الوحدة العربية , فإنه يخترق ذلك الصمت بكلماته العفوية والساخرة الموجهة ، فيفتح الله على يديه ما يهزّ الغرفة من الضحكات والحوارات .كانت العراق يمتلك مفاتيح صناديق الصمت، أما أنا فقد عجزت عن امتلاكها منذ تعرفت على الخاقاني, وحتى اليوم، برغم ما أحمله له من تقدير وحب وإعجاب لا يجد له في أعماقي منافساً حتى اليوم أيضا رحمه اللهً.ومن مفاتيحه أن تبادره بانتقاد كتابته أو شعره، فيبدأ الحوار معك لا مدافعاً ولكن متسائلاً عن مكامن سؤالك، أما إذا بادرته بإطراء، فلن تجد إلا صدى ما كان يردده في إحدى قصائده , ومنها أيضاً، أن تطرح عليه سؤالا ثقافياً محددا بعيداً عن مهام العمل السياسي اليومي، لتفتح مغاليقه، شريطة ألا تقاطعه وهو يتحدث بهدوء عميق.. عميق..وعليك إن استضفته في عشاء خاص ألا تثقل عليه بعدد الحاضرين متنوعي المشارب، وأن تحرص على استضافة القلة ممن يرتاح إليهم أو يثق في وعيهم وثقافتهم.ولكنك حين تزوره لتعرض عليه مشروعاً ثقافياً يرتبط بالشأن العام، فإنك ستجد أذناً صاغية ما عهدتها من قبل، وستتلقى الإجابة دقيقة وعلمية وعملية تغنيك عن استشارة الكثيرين، كما أنها ستعينك على اتخاذ الموقف الصائب، من رجل طالما اهتم بالعمل السياسي , هذا العمل الذي ظلمه كثيرا .حياة المبدع الكبير ضياء الدين الخاقاني ثرية، وعميقة، وشاسعة، لذلك فإن أي كتابة عنها وحولها، إنما هي مغامرة محفوفة بالمشقة، وموعودة بالكثير من المعوقات، ويبدو اكبر معوق هو عدم تسجيل ملامح ومحطات وترك الذاكرة الخؤون دائماً تتولى هذه المهمة، لذلك كان القبض على التواريخ ورصد المواقف واستجلاء ملامح الوجوه عملاً ممعناً في العنت. ولكن مساهمة الأصدقاء ومحبي الخاقاني كانت سنداً كبيراً لذلك كنت كلما التبس عليّ تاريخ ما اتصلت بالسيد مصطفى جمال الدين رحمه الله في سورية, او اخينا العلامة شيخ عيسى الخاقاني بواسطة بعض الاصدقاء في الامارات والبحرين , أو تشاكل عليّ موقف ما بادرت بالاتصال بذاكرتنا. وقد استمرت علاقتي مع أبي بهاء من ذلك الوقت إلى الآن وغداً وان رحل مظلوما مهمشا محجور عليه ,وهي مغمورة بالمودة والحب والتقدير.ومن ضمن الافاضة في هذه العلاقة مع النجف والأصدقاء والمشهد الثقافي لابد أن نستعيد محطة مهمة هي محطة المحمرة, فإذا كانت رحلة الخاقاني الأولى اتجهت صوب مصر فإن رحلته الثانية كانت صوب اليمن , حيث التقى بالكثير من المثقفين الذين كانوا منسجمين معي ايضا مع توجهي الجديد صوب الحداثة الفكرية والشعر الحديث، ولقائاتنا مع بعض الاصدقاء  اللاجئين العراقيين الذين كنت اعرفهم منذ ايام العراق والتقي بهم في سورية, وهم ,محسن الشيخ راضي، علي صالح السعدي، حمدي عبدالمجيد، هاني الفكيكي، وأبو طالب, وقد أثرت على الخاقاني مثل هذه الرحلات والعلاقات  كثيراً.بعد ان وصل البوح الى اقصى مدى له، ولازال في البال شيء كثير، نستكمل هنا تلويحة الحب وننصت له وهو يدون قصيدة حب . حياة بالغة الخصوصية والثراء والجمال :

 

- إن ضياء الدين الخاقاني، ثروة عقلية حوارية ومفكرة، ومشروع فكري و شعري ونقدي، لم تجد حيزها المناسب للعطاء.

 

- الخاقاني قامة شعرية تألقت في إبداع قصيدة العمود الشعري، ثم رأت بعد تأمل عميق أن شجرة العمود انبثقت منها أغصان جديدة، هي أغصان قصيدة  التفعيلة ، فأبدع في كتابتها ليصوغ لنا نصاً آخر، أسس لأناقة التعبير، وشفافيته، والتباسه، بين تشظي المجاز، واكتنازه بجدلية لمعان المعنى وتعددية دلالاته، وليخط، بدون تقصّد منه، ملامح من الحداثة الشعرية .

 

- إنه يمتلك مرتكزات بنية ثقافة عمودية وأفقية، فهو دارس لتخصص ديني، ولغوي، ومحتف بأجمل ما في ديوان العرب من قصيد، و ما في تراثه الأدبي من رصيد، وهو منفتح على ما في التيارات الأدبية والفكرية المعاصرة من أطروحات فكرية و نقدية بمعناها الواسع، مثلما يمتلك خصوصية المراجعة وإعادة النظر في كل القناعات، وفق منطق عقلاني وجدلي.

 

- الخاقاني متمكن من مفاتيح وضوح رؤاه حيال أي موضوع أو قضية ينبري لمقاربتها، ويبني على ذلك الوضوح منطقاً تحليلياً متماسكاً، لا تملك إلا أن تحترمه، حتى لو خالفته في منطلقاته أو في ما يتوصل إليه من نتائج.

 

-تتسم معظم مقالاته القصيرة ان كان سياسية او ادبية او دينية ببذور نقدية ذات أفق مفتوح للحوار حولها، إلا أنه، ورغم امتلاكه لمنهج عقلاني تحليلي شديد الوضوح، يشفّ في الكثير من حواراته مع الآخرين، سواءً كانت شخصية أو حوارات يجري إعدادها للنشر في الصحافة، عن نزعة أيديولوجية , حين ألاشار إلى جذور نزعته اليقينية، الناجمة عن مكوناته المعرفية الأولى، كرجل دين وابن مراجع.

 

-لكنه وبالرغم من كل هذه الممكنات ، وبما أعرفه عنه ، أجزم أنه واحد من أهم الشخصيات التي أعرفها، والتي تمضي بشجاعة قل نظيرها إلى مراجعة ما صدر عنها من رأي أو موقف، وتذهب بسفور نادر إلى تخطئته حين يبدو لها خطله أو تهافته , وتلك سمة قل وجودها إلا لدى المثقفين الكبار .

 

لا بد ان ننصت لذاكرتنا في رحلة مصر, واللقاء به, خلال مشاركتنا في الأسبوع الثقافي بعد عودتنا من مهرجان السعودي في المغرب عام 1976م , كانت هناك أمسية شعرية في الهيلتون في القاهرة , وكان فارس الأمسية ضياء الدين الخاقاني.  كلما أوغلنا في الكتابة وصلنا الى مشارف الكشف، ولكننا نكتشف ان المشوار ما زال طويلاً والحقيقة غامضة والمدى بعيداً، والكتابة عن شاعر ومفكر بقيمة وقامة الخاقاني تشبه هذا المحو.. والكتابة.. اقتراب من الحقيقة حد التماس معها ولكنها تنفلت من يديك لأنك لاتستطيع ان تقبض عليها هكذا، وبهذه البساطة والسهولة مرة واحدة. تقترن ذكرياته بشعور غامض خارجة عن الطريق والطريقة. وليس صدفة أن تكون المحمرة بمجالسها وحسينياتها وسياسات الظالمة للشاه لعربها جهة ذلك المصدر الغامض. فثمة علاقة حميمة تضعني في مهب تلك المدينة العريقة تاريخيا والمهمة اقتصاديا كميناء عالمي تدر الى ايران الاموال , والمهمشة سياسيا واجتماعيا , و المزخرفة بمجاري الماء الكاروني النشط وجمالية مصبه في مجرى امه شط العرب، بجانب شهوة العمل النشيط، في مينائها العملاق العالي وكائنات غضة متعبة من العرب والعمال، من شتى الأجيال، سوف تنتقل، مباشرة، بمحمول تجربتها الإنسانية، من خضرة الحقول ما بين النجف الاشرف والمحمرة عبر الناصرية والهاماتها النبوية المحمدية بمعركة ذي قار ومولد ابراهيم عليه السلام, ونخيل هذه المدن المكتظة بالغابات, الى غبار ورش العمل في بغداد والقاهرة وغيرها . ومن بين تلك الكائنات، لن تستطيع تمييز الحدود بين أهل المحمرة وأهل البصرة، دون أن يكون لهذا شرط اجتماعي بأي معنى.ان ضياء الدين الخاقاني كان متصلاً بالخارج العربي أكثر من صلته بالفجوة المحلية، بالمعنى الأدبي العروبي المحب لفكر اهل البيت وبوطنية مشتعلة للعراق والمحمرة .ها نحن نصل في رصدنا لعوالم ومحطات حياة استاذنا ضياء الدين الخاقاني الى مشارف النهايات، ولكن مصائر الحياة اعصى من أن تقتنصها كتابة واحدة مهما كانت رحبة، فما بالكم بكتابة ترتهن لحتمية اليومي والآني والمحفوف بشروط حادة لابد ان تلتزم قسرا بمساحاتها, وسقوفها ولذلك نحاول ان نختزل اكبر قدر ممكن من المحطات، بما تتسع له المساحة هنا، تاركين ما تبقى وما تبقى كثير جدا لمشاريع قادمة لغيرنا. اعرف ابا بهاء جيدا، واقرأه باعجاب، واعتبره من النبلاء الذين تعبوا كثيرا على اطروحة التعبير، وقيمة الفرد، اما فنيا فإنني اعتبره من رواد التجديد , وما يثير الاعجاب حقا انه بالرغم من قامته وقيمته العالية في محيطه الابداعي إلا انه لم يتوقف عن التواصل مع كل الاجيال التي تلته حتى الاجيال الجديدة, ولا اعرف هل بعد الموت يتوقف , رحم الله صديقنا , شاكرا الشيخ سعيد على هذه الالتفاتة للحوار عن هذا الاخ المبدع.

 

………………….

 

*باحث واديب سعودي

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



جميع الحقوق محفوظة لموقع الأهواز في الاعلام ©